عائد من مكة المكرمة: قمم مكة.. المطبخ سعودي.. الرائحة تونسية.. وإيران “لا رابح ولا خاسر” (1)

بقلم / صالح عطية

 

نجحت المملكة العربية السعودية في تنظيم ثلاث قمم، خليجية وعربية وإسلامية، في توقيت شديد الحساسية والصعوبة، من الناحية الأمنية، وفي علاقة بالجوانب الدينية الهامة.
إذ تزامنت القمم الثلاثة، مع موسم العمرة في شهر رمضان، الذي يشهد تدفقا عاليا من قبل المعتمرين، يصل إلى نحو مليون و200 ألف معتمر ومصلّ كل يوم في البيت الحرام، خلال العشر الأواخر من رمضان.
يضاف إلى ذلك، حضور نحو مائة رئيس وزعيم دولة عربية وإسلامية، إلى جانب الوفود الرسمية المرافقة لهم، فضلا عن نحو 500 صحفي من حوالي 70 دولة في العالم..
ربما اختارت قيادة الدولة السعودية، هذا التوقيت بالذات ــ رغم صعوبته ــ لكي تبعث برسائل إلى إيران والدول التي تعتبرها “معادية” لها في سياستها ومواقفها، بأنّ الجهوزية الأمنية السعودية، على أعلى مستوى، قياسا بالتهديدات التي تتعرض إليها، خصوصا من جارتها الإيرانية، التي تعتبرها السعودية متورطة فيما تسميه “الهجمتين الإرهابيتين” على السفن بالقرب من المياه الإقليمية لدول الخليج، وفي هجمات المليشيات الحوثية على المملكة، التي بلغت ــ وفق التقارير السعودية ــ نحو 225 صاروخاً، و155 طيارة مسيرة (درون)، وذلك ضمن سياق الأوضاع الحالية في منطقة الخليج، والعلاقات بين إيران والولايات المتحدة، التي يشوبها توتر مرتفع للغاية.
وضعت السعودية حينئذ، تحدّ واضح لنفسها ولقواتها وأجهزتها، وكذلك لضيوفها من أصقاع عديدة من العالم، في سياق التجاذبات مع إيران والمحيط الإقليمي الدائر من حولها.
لكنّ القيادة السعودية، حاولت كذلك أن توجّه رسالة ثانية إلى إيران، بأنّ المملكة ليست معزولة، عربيا وخليجيا، وأنها محاطة بجسم عربي واسع، يقف معها فيما تتعرض له من تهديدات من قبل الدولة الإيرانية.
والأكيد، أنّ السعوديين، ربحوا رهان تنظيم مثلث القمم الخليجية والعربية والإسلامية، على الصعيد اللوجستي والأمني بالأساس، غير أنّ السؤال المطروح، هو: هل نجحت السعودية على صعيد مخرجات القمم الثلاثة، بمثل ما نجحت أمنيا وتنظيميا ولوجستيا ؟

خطاب متشنّج

في تقديرنا، الإجابة على هذا السؤال، تمر عبر جملة من المعطيات والحيثيات التي تخللت القمم الثلاثة، وبخاصة القمتين الخليجية والعربية..
فقد حرصت السعودية والإمارات والبحرين، على شحن القمة بخطاب متوتر ومتشنّج، بالنظر إلى التهديدات التي تواجهها السعودية والإمارات، من قبل إيران.. وبرز هذا الشحن ــ المفهوم بطبيعة الحال ــ من خلال خطاب العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، في افتتاح “مجلس التعاون الخليجي”، وما رافقه من تدخلات من قبل المسؤول الإماراتي، محمد بن زايد، وملك البحرين، فيما بدت الكويت وسلطنة عمان وقطر، أقل تشنّجا، رغم أنها أعربت عن مساندتها لأمن الخليج، ورفضها لأي تدخل في شؤون منطقة الخليج أو المساس بأمنها واستقرارها..
وعكس البيان الختامي لــ “الخليجي”، هذه النبرة المتشنّجة، من خلال التطرق إلى خمس  نقاط شديدة الأهمية، بينها:

ـــ تفعيل الآلية العسكرية، من خلال استعراض المجلس الأعلى للخليجيين، “السياسة الدفاعية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية”، لغرض الدفاع عن كيان ومقومات ومصالح دوله وأراضيها وأجواءها ومياهها الإقليمية..
ـــ التأكيد على “قوة وتماسك ومنعة مجلس التعاون، ووحدة الصف بين أعضائه، لمواجهة هذه التهديدات”..
ـــ وصف ما تقوم به إيران، بــ “الأعمال والأنشطة التخريبية”، والتأكيد على أنّ “عدمَ اتخاذِ موقفٍ رادع وحازمٍ لمواجهة كل ذلك”، هو الذي سمح لطهران بالتمادي في هذه السياسة العدوانية، فكان ذلك ــ في نظر المراقبين ــ شكل من أشكال الشحن وتصعيد الموقف الخليجي، باتجاه “مواجهة ممكنة مع إيران”..
ـــ التنويه بمستوى التنسيق والتشاور مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتعزيز التعاون الخليجي الأمريكي المشترك في إطار الشراكة الإستراتيجية القائمة بين مجلس التعاون والولايات المتحدة الأمريكية، والاتفاقيات الثنائية بين دول المجلس وواشنطن، وهي إشارات لإيران، ومن يقف معها في تحالفاتها، سواء تعلق الأمر بحزب الله اللبناني، أو روسيا أو بعض الأطراف العربية الأخرى، التي تقف موقف “بين ــ بين” من هذه التجاذبات بين السعودية والإمارات من جهة، وإيران من جهة أخرى..
ـــ مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات حازمة تجاه النظام الإيراني، وخطوات أكثر فاعلية وجدية، لمنع حصوله على قدرات نووية، ووضع قيود أكثر صرامة على برنامج إيران للصواريخ الباليستية.

الملف الإيراني.. الأزمة

عير أنّ هذا الجوّ المشحون، الذي حرصت بعض الأصوات الإعلامية العربية التي حضرت المؤتمر الصحفي في القصر الملكي بمنى، أن تعززه وتدفع باتجاهه (في صيغة ملكية أكثر من الملك، كما يقال)، لم يدم طويلا، إذ تدخلت معطيات أخرى “على الخطّ”، لكي تخفّض من وتيرة هذا التوتر، في إطار معادلة إقليمية أكثر توازنا، تراعي أمن المنطقة واستقرارها، من ناحية، ولكن تراعي كذلك، مناخات المصالح العربية، من ناحية أخرى، بما في ذلك، المصالح مع إيران ذاتها..
وقد بدا ذلك واضحا في المؤتمر الصحفي الذي أعقب القمتين، الخليجية والعربية، سواء في مداخلات وزير الخارجية السعودي، إبراهيم العسّاف، أو في ردود الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط..
ووفق المعلومات التي حصلت لــ “الرأي الجديد”، فإنّ كواليس القمتين، شهدت تحركات ومحادثات وما يشبه “المفاوضات”، بشأن الاتجاه العام للتجمع العربي في هذا التوقيت الحساس.

“العقلانية التونسية”.. و”الحياد الإيجابي”

ويبدو من خلال بعض المعطيات الموثوقة، أنّ تونس لعبت دورا مهما، سواء في مقابلات رئيس الجمهورية، الباجي قايد السبسي بتونس، أو في مكة المكرمة، من خلال الحوارات الجانبية التي سبقت القمة العربية، والتي حرصت رئاسة الجمهورية من خلالها، على أن تعتمد مقاربة أكثر توازنا للهموم العربية تجاه إيران، عبر إقناع أكثر من طرف مهم في القمة، بأنّ تصعيد الموقف مع إيران باتجاه “منطق الاحتراب”، أو الدخول في مواجهة معها، قد لا تكون “اللحظة الإقليمية” المناسبة، في ضوء تفكك النظام العربي وضعفه ووهنه، بالإضافة إلى ضعف الجامعة العربية، وما يسمى بــ “العمل العربي المشترك”، بما يجعل العرب غير مهيئين للدخول في معركة أو مواجهة مع إيران، التي قد لا تخسر كثيرا في حرب، تبدو بمنطق التوازنات والإمكانات، وحتى التحالفات الدولية ذاتها، هي الطرف الأكثر عدّة وعتادا عسكريا وسياسيا ومصلحيا أيضا.
وحاولت القيادة التونسية، بذلك الخطاب الذي تسميه تونس بــ “الوسطي المعتدل”، أو بــ “الحياد الإيجابي”، أن تقنع الكثير من الأطراف العربية، بذلك، ويبدو أنها نجحت، بل وجدت أرضية لذلك لدى أطراف عديدة في العالم العربي، بينها، مصر والأردن والجزائر وموريتانيا ولبنان والسودان والعراق، بل حتى الكويت، الجارة الخليجية، وغيرها، فهذه الدول، اعتبرت “التورط” في خطاب المواجهة والحرب ضدّ إيران، من شأنه أن يجرّ المنطقة إلى وضع، قد يزيد في تعميق أزمتها، ومن ثمّ يضاعف حجم الابتزاز الدولي لها، عسكريا وسياسيا وأمنيا..
وهذا بالضبط ما عكسته، تصريحات الأمين العام للجامعة في المؤتمر الصحفي، عندما قال بوضوح لا مشاحة فيه: أن الجامعة العربية “لا تدفع نحو مواجهة في منطقة الخليج، بل تطالب بعودة الاستقرار وتحقيق الهدوء، مع احترام الحقوق العربية ووقف أي تدخلات خارجية في الشأن العربي”.
لقد بدا واضحا وجليّا، من خلال الخطابات التي قدّمت، أنّ الهموم القطرية، غلبت على الهموم العربية والخليجية، مع مساندة للمملكة العربية السعودية والإمارات، والتعبير عن وقوف لا مشروط معهما في مواجهة التهديدات الإيرانية، لكن باستخدام قديم ــ جديد، لمصطلحات “الأمن القومي” و”أمن الخليج من أمننا”، وهي تعبيرات تحضر بكثافة في بعض الأوقات العصيبة التي تمر على الدول العربية بين الفينة والأخرى، دون أن يعني ذلك استعدادا تاما للدخول في مواجهة حقيقية مع إيران.
نعم تلك كانت حصيلة “عملية الضبط” التي قادتها تونس، ووجدت آذانا صاغية من قبل أكثر من طرف عربي، ودفع بالقمة إلى توخي “خطاب عقلاني”، في هذه الفترة التي تميّز فيها التفكير العربي بعقل عاصف، كان سيؤدي إلى نوع من المواجهة مع الطرف الإيراني، دون أدنى ضمانات لنجاح “النزعة المتشنّجة”.
لقد قلبت وجهة النظر التونسية، المعادلة رأسا على عقب، أو على الأقل، لعبت دورا مهما في تحجيم خطاب الاحتراب والتصعيد، بما جعل عديد القيادات العربية، تتبنى ما كان أعلن عنه الرئيس التونسي، من أنّ الحاجة ماسة اليوم لإعادة النظر في العمل العربي المشترك، وفي صياغة وحدة عربية تستجيب لشروط المرحلة التاريخية الراهنة..

عود على بدء.. الحكمة العربية

هذا ما كان واضحا من مداخلة الرئيس العراقي، برهم صالح، الذي أكد على أنّ المنطقة “بحاجة إلى استقرار مبني على منظومة للأمن المشترك، يعتمد احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”..
وهو ما عبّر عنه، الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن بطريقته، عندما أكد على ضرورة مواجهة التحديات المتزايدة التي يشهدها عالمنا العربي، “عبر تطبيق حقيقي لمفهوم العمل العربي المشترك، فتحدياتنا وإن اختلفت، فإن مصيـرنا مشترك”، وفق تعبيره.
ليس هذا وحسب، بل إنّ أمير الكويت، كان أوضح من الجميع في هذا السياق، حيث شدد على أنّه إزاء ما تواجهه الدول العربية من تصعيد ومخاطر محدقة، “علينا أن نبادر بالتواصل وبما لدى الأشقاء، من علاقات بأطراف التصعيد في محاولة لإقناعھم بتغليب الحكمة، واللجوء إلى الحوار، والتأكيد بأن أسبابا وممارسات خاطئة وراء ذلك التصعيد، تستوجب منا المبادرة والتحرك لتصحيح مسارات خاطئة في تعامل الجانب الإيراني للأحداث والتطورات ولمشاغل وھموم دول المنطقة “، وهي الفقرة التي تلخص النهج المختلف عن الخطاب التصعيدي تجاه إيران.
هل ثمّة أبلغ من هذا القول على مستوى تأكيد الرغبة في تجنّب المواجهة ؟؟
بلى، فقد جسّدت كلمة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تماه تام مع وجهة النظر التونسية، بشكل أكثر وضوحا من بقية المواقف والمقاربات.
فقد أكد السيسي، أنّ الأمن القومي العربي يقتضي من الجميع وقفة حاسمة، لمواجهته “بمنتهى الحكمة والحزم”، كما أن “الحكمة ضرورية لاحتواء أي توتر”، فالعرب كانوا ولا يزالون دائما دعاة سلام واستقرار.
وبصرف النظر عن المواقف الإيديولوجية من النظام المصري، سيظل لمصر دور إقليمي بارز، وسيظل صوتها وموقفها وازنا، بحكم التاريخ والجغرافيا والمصالح والتحالفات الدولية.

هل معنى هذا أنّ مخرجات الاجتماعات الخليجية والعربية، لم تكن في حجم التطلعات السعودية ؟
طبعا، لا..
لكنّ التيار أو الجناح السعودي الذي قد يكون دفع باتجاه شكل من أشكال المواجهة مع طهران، بإيعاز إماراتي لا غبار عليه، لم ينجح في مسعاه، حيث تم اعتباره “خارج دائرة الوضع الإقليمي العربي الراهن”، ولذلك بقدر ما كان بيان “التعاون الخليجي”، مندفعا ومتوترا، كان بيان القمة العربية، أكثر توازنا، فيما كانت القمة الإسلامية، ضمن مسار مختلف، بحكم اختلاف الجانب الجغرا ــ سياسي عن مجريات العالم العربي، سيما وأنّ أغلب الدول “الإسلامية”، ترتبط بعلاقات هامة مع إيران، وليس من همومها أو مشكلاتها، مناهضة الجارة النشيطة معهم في مستوى المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية، وربما الدينية أيضا.
لا شكّ أنّ المناخات الدولية، بما في ذلك الأميركية، لا ترغب في حرب مع إيران، إنما تستخدم التصعيد سبيلا للابتزاز المالي، أو النفطي، من دون أي نيّة في حرب تدرك الولايات المتحدة والغرب برمته، أنّ بالإمكان الوصول إلى نتائجها، دون أي مواجهة عسكرية..
فالغرب، يرنو إلى السوق النفطية الإيرانية، باعتبار أن السوق الخليجية، بدأت تنضب، ولا بد من “الضخّ الإيراني” للولايات المتحدة والغرب عموما، وهو ما لم تكن ترغب فيه طهران، لكنّها اليوم، تريد أن تتعامل مع هذا الواقع الجديد، بمعادلة التطور النووي، في مقابل الإمدادات النفطية، وهو ما لا تمانعه أميركا، لكنّها تريد أن تحصل عليه بأقل كلفة سياسية وجغراستراتيجية ممكنة. وهذا ما يجعل الحرب ضدّ إيران، لا تتعدّى الجانب الكلامي والخطابي..

في معادلة الربح والخسارة

ربحت المملكة العربية السعودية، رهان التنظيم والحشد العربي والخليجي، على مستوى “الهبّة” الجماعية، وربحت أيضا، معرفتها للمواقف العربية، وحقيقة التوازنات ومعادلات المنطقة، بعيدا عن “العنتريات” التي لم تكن البتّة من سمات الخطاب السياسي السعودي..
لقد عرف هذا الخطاب تاريخيا، بالهدوء والحكمة في قلب العواصف التي مرت على المنطقة منذ هزيمة 1967، وخسارة الحرب العربية ضدّ الكيان الصهيوني في العام 1973، إلى جانب محاولاتها تجنيب العراق، الحرب الأميركية المدمّرة، في العام 1990،  ما يعني أنّ تقاليد السياسة السعودية، تقوم على نبذ ورفض أي عملية احتراب في المنطقة، فما بالك إذا ما كانت المواجهة تعنيها مباشرة.
ثمّة شيء مهم في خطابات أغلب القيادات العربية، خلال القمتين الخليجية والعربية، وهو هيمنة الخطاب القطري، والنظر لقضايا المنطقة، من زاوية المنظار المحلي / الوطني، فلكلّ دولة همومها ومشكلاتها، ولكل قيادة سياسية تناقضاتها الداخلية، التي لم تكن على نفس “القلب السعودي الإماراتي”، وهذا ما ينبغي أن تستوعبه القيادات السعودية الشابة، وتبني عليه أي موقف في علاقة بالعالم العربي..

لكن، إلى أي مدى يمكن الحديث عن همّ عربي واحد، وعن عمل عربي مشترك، بل عن وحدة في الرؤى والتصورات بين هذه الدول، التي تتحرك شعوبها بفعالية خلال السنوات الأخيرة، فيما هي رابضة في مكانها، دون أي تغيير، إلا نحو الأسوإ ؟

الإجابة في الحلقة المقبلة…

الوسوم
اظهر المزيد

التعليقات

إغلاق