لطفي القلمامي.. حرقة “الحق الضائع”..

بقلم / صالح عطية

رغم مرور عدّة سنوات على الحكم القضائي، الذي ينص على إعادة الاعتبار للعميد، لطفي القلمامي، بعد القرار الظالم الذي تعرض له، أثناء إشراف القاضي، فرحات الراجحي على وزارة الداخلية، من خلال ما سمي بــ “قائمة الأربعين” الذين أطردوا من وزارة الداخلية أنذاك، رغم ذلك، ما يزال “العميد لطيّف”، كما يحلو لأصدقائه كنيته، ينتظر “فرجا سياسيا شجاعا”، ينهي مرحلة الظلم التي تعرض لها، ويعيد له اعتباره القانوني والأخلاقي.
لا يطلب القلمامي، منّة من أحد، ولا يستجدي قرارا أو حكما قضائيا، فللرجل قراره القضائي الباتّ، وهو يطلب أمرا بسيطا للغاية: تفعيل الحكم القضائي من قبل وزير الداخلية، أو رئيس الحكومة، أو رئاسة الجمهورية.
وعلى حدّ علمنا، ليس هذا المطلب بالعسير على أي من الأطراف المذكورة، بل هو واجب محمول عليهم، وكان يفترض محاسبتهم عليه، لأنّه يعدّ تقصيرا في واجبهم التنفيذي.. أليست الأطراف الثلاثة المذكورة، ممثلة للسلطة التنفيذية؟ أو ليست من مشمولات السلطة التنفيذية، إنفاذ الأحكام القضائية ؟
الغريب في الأمر، أن لطفي القلمامي، قابل تقريبا، كل وزراء الداخلية الذين تداولوا على تلك البناية الرمادية، والغريب في الأمر أيضا، أنّ جميعهم، كان يطمئنه بتنفيذ الحكم القضائي، لكنّ شيئا من هذه الوعود، ظل قيد أحاديث الغرف المغلقة، فلم ينفّذ الحكم القضائي، ولم يعاد الاعتبار للرجل.
ليس هذا وحسب، بل إنّ جزءا مهما من السلطة التنفيذية، وهي رئاسة الجمهورية، تتدخل مؤخرا لتمتيع القيادي في “نداء تونس”، برهان بسيّس بالعفو الرئاسي الخاص، رغم أنّ الرجل مورط في قضية فساد، ولا تتعلق به قضية ظالمة، بل إنّ قضيته تتعلق بالمال العام، وهو القرار الرئاسي، الذي استنكرته جمعية القضاة التونسيين، ووصفته بــ “الخطير والعجيب”، واعتبرته مساس بالقضاء وبصدقية المنظومة القضائية.
ولا شكّ أنّ “العفو الخاص” على برهان بسيّس، كان في سياق التجاذب بين رئاسة الحكومة، التي تتهم بكونها خلف الإسراع بتوقيفه، ورئاسة الجمهورية، التي دخلت منذ فترة في صراع “ليّ الذراع” مع رئيس الحكومة الشابّ، في إطار لعبة التوازنات، واستخدام السلطة في المعارك السياسية..
ورغم أننا مع وجود بسيّس خارج السجن، وأنّ الصراعات والخلافات السياسية، لا تحسم بالسجون والإيقافات، إلا أنّ ما يلفت الانتباه حقّا، هو مبادرة رئيس الجمهورية، بالعفو على بسيّس، وعدم إسراعه بإنفاذ حكم قضائي، وهو رجل قانون، خصوصا وأنّ الأمر يتعلق بشخصية أمنية عالية المستوى، لا تطلب منصبا جديدا، بقدر ما ترغب في ردّ الاعتبار إليها من قبل الدولة التي أفنت عمرها في خدمتها، ثم تنكرت لها ووضعتها “خارج الحساب”، وترفض أو هي تتغاضى عن تمكين لطفي القلمامي من “حق معنوي”، فالاعتراف بالحق فضيلة من شيم الكبار، والقضاء اعترف للرجل بحقوقه، فيما الدولة برئاساتها الثلاث، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل، تسكت عن هذا “الحقّ” المعلن قضائيا، والمسكوت عنه، تنفيذيا..
قابلت الصديق لطفي القلمامي، مرات عديدة، وكنت في كل مرة أجده مرتفع المعنويات، عالي الهمّة، يحدّثك بعزّ وأنفة وكرامة، لكنني في المرة الأخيرة، شعرت أنّ الرجل بداخله حرقة، ولسان حاله يقول مازحا: لقد أصبحت أتمنى أن أكون عنصر تجاذب بين السلطات، فيتم إنفاذ الحكم القضائي المتعلق بي، تماما مثلما استفاد برهان بسيّس من تجاذب قائم بين الرئاسة ورئاسة الحكومة؟
فهل يفترض في “العميد” أن يكون في شقّ سياسي ما، حتى يكون عنصر تجاذب، وتجد قضيته سبيلها إلى التنفيذ؟ أم أنّ على لطفي القلمامي أن يندم مثلما ندم غيره على “خدمة الدولة”؟
وأيّ رسالة يمكن أن نقدّمها إلى الأجيال القادمة؟ هل نشير عليها بأن تستنكف من خدمة الدولة؟ وهل نبعث برسالة إليها بأنّ الدولة التي نخدمها، لن تجدها إلى جانبك، عندما تحتاجها، حتى وإن كنت على حقّ قانوني، وتتمتع بحكم قضائي حاسم وباتّ؟
أسئلة حارقة.. ووضعية أشدّ حرقة.. فهل تتدخل رئاسة الجمهورية لحسمها، أم يكون السبق لرئاسة الحكومة؟
نكاد نلتمس من هذين الطرفين ــ على سبيل الدعابة المحزنة طبعا ــ أن يدرجا قضية القلمامي ضمن سياق تجاذبتهما، عسى أن يحصل الرجل على حقه، المكفول له قانونا، الضائع تنفيذيا من قبل السلط المعنية. فهل يجد رجاؤنا سبيله لآذان صاغية صلب السلطة القائمة ؟

اظهر المزيد

التعليقات

إغلاق