آخر تحديث: الجمعة 22 فيفري 2019, 08:49:57.
آخر الأخبار

كتاب "الإرهاب واستعصاء المفهوم": علي العبيدي يشرّح المصطلح وملابساته المنهجية والتاريخية

04 أوت 2018 -- 10:02:35 214
  نشر في إصدارات

تونس ــ الرأي الجديد (متابعات فكرية)
 علي العبيدي

يحاول كتاب "الإرهاب واستعصاء المفهوم"، الصادر عن دار المنتدى للنشر (في 264 صفحة من الحجم المتوسط، الإجابة على السؤال المركب التالي: هل يمثل الإرهاب مفهوما بالمعنى العلمي؟ وهل يشكل، في غياب تعريف موضوعي وحاسم، جريمة مستقلة وفق مقاييس القانون الدولي؟

خصص الكاتب، علي العبيدي، مقدمة الكتاب، لبعض المسائل المنهجية التي اختزلها في الإشكاليات التالية: 
ـــ لماذا يجب علينا الوصول إلى تعريف متفق عليه للإرهاب؟
ـــ ما هي انعكاسات عدم تعريف "الإرهاب"؟
ـــ العوائق المرتبطة بمفهوم الإرهاب
ـــ الإرهاب والعنف ـــ هل للإرهاب تاريخ؟
في الباب الأول من الكتاب، ("الإرهاب" وسؤال المفهوم)، عمل المؤلف، على بيان أن "الإرهاب" لا يشكل مفهوما بالمعنى العلمي، وعلى أن التحول السيميائي الذي شهدته كلمة "إرهاب" كان راديكاليا.
ومن هذه الزاوية، عرض علي العبيدي، جملة من الأفكار الأساسية، أهمها:
ـــ في القسم الأول من الكتاب، تم طرح سؤال حول ما إذا كان"الإرهاب" مفهوما علميا؟ وأوضح في هذا السياق، أن "الإرهاب"، لا يشكل مفهوما نظريا، وإن كان، كظاهرة، قابلا للدراسة العلمية. فهو موضوع علمي لا يمكن صياغته مفهوميا.
وبيّن أن المفهوم يفترض أن يحصل بشأنه اعتراف واتفاق بين أشخاص من مختلف أصقاع العالم، على قاعدة أنّ ما يجري تسميته، "إرهابا"، هو كذلك حقا. غير أنّ العالم مازال أبعد ما يكون على هذه القناعة والفهم المشتركين.
وأشار الكاتب في هذا المضمار، إلى الإشكاليات التي أثارها توظيف هذا المصطلح في حقول معرفية مختلفة. فالإرهاب في أحسن الحالات ليس أكثر من حكم قيمة، ويصبح ذا دلالات نسبية ومتغيرة، وحتى سوقية، بل وتختلف معانيه حسب المصلحة.
فالإرهاب، وفقا لطرح المؤلف، لا يستجيب للمعايير العلمية للمفهوم النظري. إذ بالإضافة إلى شحنته العاطفية والأخلاقوية القوية (قابليته للتوظيف)، التي تؤثر على الحياد الاكسيولوجي للباحث، فان صياغته تصطدم على الأقل بعائقين آخرين: الطابع المتنافر والمشتت للظواهر التي يتم تصنيفها تحت عبارة "إرهاب"، والرهانات الرمزية والسياسية المرتبطة باستخدام هذه العبارة، وتتعلق بالصراعات المستحكمة حول الشرعية، وتشويه مواقف الخصوم، وهو ما يؤدي إلى استحالة التوافق حول معنى المفهوم ودلالته.
لذا اتجه علم السياسة كما العلوم الاجتماعية، للتركيز لا على "الإرهاب" (كظاهرة)، ولا على فعل "الإرهاب" في حد ذاته، بل على من يستخدم "الإرهاب"، أي على الخطاب (الإعلامي والسياسي) حول الإرهاب، وهو ما يفترض حكما أخلاقيا بالضرورة.
وتطرق المؤلف، في إطار نفس الباب الأول من هذا العمل، للتحول السيميائي الراديكالي الذي عرفته عبارة "إرهاب"، ويمكن رصد هذا التحول السيميائي من خلال الفقرات المنهجية والتاريخية التالية :
1 - الأصل السيميائي: تأسيسا على أن اللغة ليست تعبيرا محايدا، ذلك أن القاموس ليس وصفيا فقط، ولكنة بالأساس قانون، تؤكد معاني الكلمات الجانب الذي تميل إليه كفة السيطرة.. فمن يملك السلطة والسيطرة، يملك حق صياغة وتسويغ معاني الكلمات.
وتشير كلمة "إرهاب" في الأصل - كما تشكلت من خلال القواميس- إلى حكومة الرعب في فرنسا ( أفريل 1793- جويلية 1794 ). ووسعت نفس تلك القواميس ذلك المعنى، ليشمل كل منهج للحكم مؤسس على الرعب، ما يؤكد العلاقة بين الإرهاب والدولة: الإرهاب نشأ مع الدولة ومارسته الدولة (من خلال السلطة المشرعة للقوانين أو بدونها)، للمحافظة على كيانها. وعليه يكون الإرهاب أداة مؤسسية تتميز بخاصيتين: تمارس بواسطة الدولة (أو أجهزتها)، وتستهدف الجميع دون تمييز غالبا.
            

لكن هذا المعنى سيتم قبره من خلال القواميس الأوروبية، وإعادة تشكيله في الخطاب الغربي حول "الإرهاب".
2 – التحول الراديكالي ( سومييه) أو انقلاب المنظور (فرانك فيشباخ):
ورغم محافظته على أصل التسمية (أي استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية)، لم يعد الإرهاب يعني نظاما للرعب أو إرهاب دولة (كما في أصله السيميائي)، إنما صار يعني، مع نهاية القرن التاسع عشر، منهجا للصراع السياسي يقوم على أعمال عنف وترويع (كالاغتيالات والتفجيرات)، تعتمده جماعات ثورية أو فوضوية من اليمين واليسار..
إنه استعارة تدين أولئك الذين يجرؤون على معارضة احتكار الدولة للعنف. إنه استراتيجية عنف موجهة أساسا ضد الدولة، عن طريق الاغتيالات والتفجيرات، تهدف إلى خلق مناخ من الرعب.
- لماذا نصف هذا التحول بالراديكالي؟
لأنه أسس لإخراج إرهاب الدولة من القاموس اللغوي كصنف، وأحاله إلى مجرد وضعية تاريخية خاصة (إلى خارج التاريخ)، واستحدث بدله صنفا آخر هو "إرهاب" الأفراد والجماعات الذي تجسد، ابتداء، مع ظهور الحركتين العدمية والفوضوية. لذلك تحدث بعضهم عن إرهاب سيميائي.
وعطفا على هذه القراءة، أشار الكاتب إلى النتائج الخطيرة لهذا التحول السيميائي، ومن أبرزها:
أولا : الاتجاه لتشويه وشيطنة كل مناهضة أو احتجاج للنظام القائم دون تمييز، وهذا يعني اتجاه لاستبعاد التفكير في أي تسمية ممكنة أخرى لها علاقة بوضعيات، أو فترات تاريخية أخرى (ثورة، مقاومة، معارضة).
ثانيا: الشحنة القوية المقترنة بتهمة الإرهاب اليوم، التي يصعب معها كل نقد خشية تصنيف الباحث أو المراقب وحتى الناشط السياسي أو الحقوقي، إلى جانب الموسومين حقا أو باطلا بالإرهاب..
ثالثا: أصبح ينظر لإرهاب الأفراد والجماعات باعتباره "جسما شاذا أو آفة يجب استئصاله مهما كان الثمن، وليس مجرد موضوع بلاغي. ذلك أن الممسكين بمفردات إيديولوجية الهيمنة، تريد إيهامنا بأن السؤال عن تعريف "الإرهاب" لا معنى له ولا جدوى منه، ومن ثم تم تبييض الدولة (مالكة الحق الشرعي في استعمال العنف) من الإرهاب، وإسقاط أية علاقة سببية بين إرهاب الدولة و"إرهاب" الأفراد، وتحميل "الرعاع" (أفرادا ومجموعات) كل الشرور التي يمكن
نعتها بـ "الإرهاب".

التوضيحات اللازمة

ويوضح علي العبيدي، إشكالية المصطلح (إرهاب)، الذي يقول إنّه كان وما يزال، محل جدل، وظل متسما بكونه وظيفيا ولا تاريخيا ومتحيزا.
وتحول الإرهاب" من ظاهرة معقدة لها سياقاتها إلى مجرد خطاب حول "الإرهاب". وعليه تستخدم كلمة "إرهاب" علميا، كموضوع أو كجسد، وليس كمفهوم قابل للدحض أو القبول.
ويضيف المؤلف، أنّه من الناحية النظرية، (فكريا وفلسفيا)، يعكس هذا التحول جذور إقصاء الآخر، والآخر المختلف في الفكر الغربي. ولم يكن ذلك ممكنا على المستويات التاريخية والسياسية والإستراتيجية:
ــــ فمن الناحية التاريخية والسياسية، لم يغب إرهاب الدولة عمليا في التاريخ الأوروبي منذ عهد الرعب (أثناء الثورة الفرنسية)، تصورا وممارسة، سواء كان ذلك في إطار الدولة القومية (جذور العنصرية وإقصاء الغيرية القريبة مذهبيا ودينيا واجتماعيا، وكذا أنظمة الفاشية والنازية والستالينية)، أو في إطار علاقة الأنا الغربية المتمركزة على ذاتها بالآخر المختلف (الامبريالية والاستعمار والاحتلال والهيمنة ودعم الاستبداد)..
ــــ ومن الناحية الاستراتيجية، تمت مواكبة حركة التوسع الغربي والاستعمار الأوروبي (متعدد الأبعاد)، للدول والشعوب "الهمجية" و"البربرية" (وما لحقها من تطورات دولية). وهو ما يسمح بالقول، بأن ما اصطلح على تسميته "بالإرهاب"، كما تطور في التصور والممارسة الغربيتين، يتسم في نظر الكاتب بالأبعاد التالية:

أبعاد أساسية

1 ــ البعد العاطفي: تشكو هذه الكلمة من ضعف مفهومي كبير لأنها ليست مفهوما بل مجرد انطباع أو حكم قيمة. إنها آلية إدانة و اتهام للآخر المختلف (من الاغيار القريبين أو البعيدين) في أحسن الأحوال وليست أداة للفهم والتفسير.
2 – البعد الاخلاقوي التواصلي: ويعني ذلك تحويل "الإرهاب" إلى طبيعة جوهرانية تتعلق بما يحدث في الضفة الأخرى، كما بالآخر المغاير أو المختلف وليس بالأنا المتمركزة على ذاتها ولا بما ترتكبه من أفعال في الداخل والخارج.
ويتحول "الإرهاب" – إذن – إلى خطاب الأنا الاخلاقوي، إلى خطاب منتج ليس للكراهية فقط، بل لتبرير إقصاء الآخر وشرعنة انتهاك كل القواعد والأصول في التعامل معه، من خلال تبيض الأنا وتطهيرها، وإسقاط كل الشرور التي ارتكبتها، ومازالت، على الآخر.
3 – البعد السياسي والاستراتيجي: مثل هذه الكلمات تعكس رهانات سياسية كبرى ورهانات استراتيجية أكبر. و إذا كان "الإرهاب" لا يشكل مفهوما بالمعنى العلمي، وفق تصور المؤلف، فهل يمثل جريمة مستقلة من منظور القانون والقانون الدولي؟ وهل يمكننا المدخل القانوني من الحسم في مسالة تعريف الإرهاب؟

حول المقاربة القانونية

وهنا، ينتقل المؤلف إلى الباب الثاني الذي وضع له عنوانا مهما، هو "الإرهاب الدولي والمدخل القانوني"، حيث استخدم المقاربة القانونية الشائعة، ليبيّن كيف أنها، لا تمكننا من الإلمام " بالإرهاب" والإرهاب الدولي والحرب عليه (مفهوما ومقاربة)، رغم ما بذلته دول ومؤسسات وهيئات وخبراء في العالم للاقتراب منه، خاصة في ظل الثنائية القطبية.
وتمكن الكاتب خلال مسار بحثه، بين المدارس الفقهية والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية والإقليمية، وكذا إسهامات المنظمات الدولية، (وخاصة جهازي الجمعية العامة ومجلس الأمن)، من التحقق من أن الإرهاب"، إذا كان يشكل جريمة دولية، فإنه لا يمثل جريمة مستقلة وفق مقاييس وقواعد القانون الدولي العام، والمبادئ العامة التي أقرتها الأمم المتحدة بمعناها الوارد في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
كما أن المقاربات القطاعية للإرهاب وللأعمال الإرهابية – مضافا إليها غياب تعريف منضبط للإرهاب - لا تمكن من تحقيق الأهداف المسطرة في استراتيجيات الحرب على "الإرهاب".

خاتمة.. وأفق

وفي النهاية، توصل المؤلف، إلى إن المقاربة القانونية – على أهميتها – لا تمكن من الحسم في تعريف "الإرهاب" لأسباب عديدة، من بينها، أنها لا تطرح سؤال الأسباب الكامنة وراء "الإرهاب"، كما توحي بذلك كل الآليات الدولية لمكافحة "الإرهاب".
لذلك اعتبر صاحب الكتاب، إن الخيار التشريعي ضروري وسهل، لكنه لا يحل المسالة. وختم الأستاذ علي العبيدي، هذه المناقشة العميقة لمفهوم الإرهاب، وتحولاته السيميائية المعقدة، بالدعوة إلى ضرورة "الحسم بوضوح وحيادية في "مفهوم الإرهاب"، والتصدي للأسباب العميقة لـ "الإرهاب"، لأنه بغير ذلك سنعيد إنتاج المآسي الإنسانية، والانتهاكات الحقوقية، والتكاليف المادية التي قادت إليها المقاربات الانفرادية للحرب على "الإرهاب"، وسنسهم ــ بهذا الشكل ــ في تعزيز ارتهان مبادئ الشرعية والعدل، لإرادة فرسان الحرب المسعورة على "الإرهاب"، من القوى الإمبراطورية، وكيان الاحتلال، وعساكر الاستبداد الوظيفي ومشائخه، وفق تعبير المؤلف.

رياضة

تقارير

أزمة المؤسسة التربوية: الجميع يدعو إلى إيجاد الحلول.. ولا أحد يتقدّم بهذا الإتجاه

أزمة المؤسسة التربوية: الجميع يدعو إلى إيجاد الحلول.. ولا أحد يتقدّم بهذا الإتجاه

سنة بيضاء ...الأزمة متواصلة .. والتلاميذ يهدّدون

سنة بيضاء ...الأزمة متواصلة .. والتلاميذ يهدّدون

حالة الإقليم: التفاعلات الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط 2018 – 2019

حالة الإقليم: التفاعلات الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط 2018 – 2019

بعد اتهام رئيس الحكومة بــ

بعد اتهام رئيس الحكومة بــ "الإنقلاب".. الشاهد والأمن الرئاسي وبرلمانيون يردّون على سليم الرياحي

الأمطار الطوفانية.. أبرز الولايات المتضررة وآخر المستجدات

الأمطار الطوفانية.. أبرز الولايات المتضررة وآخر المستجدات

مجتمع

اتحاد عمال تونس يندد بقرار البنك المركزي

اتحاد عمال تونس يندد بقرار البنك المركزي

تونس ــ الرأي الجديد

عبّر اتحاد عمال تونس اليوم الخميس 21 فيفري 2019، عن استنكاره الشديد لقرار البنك المركزي الترفيع في الفائدة المديرية، من 75.6 بالمائة إلى 75.7 بالمائة.

حريات

نقابة الصحفيين تحذر من تهديد محتمل لحياة حمزة ...

تونس ــ الرأي الجديد

دعت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين اليوم، الأربعاء 20 فيفري 2019، النيابة العمومية إلى التحرك الفوري واتخاذ كافة الإجراءات ...